v  الأهداف

v  أنواع الذاكرة

v  الدوائر العصبية

v  تذكر

v  أسئلة

v  home


الدوائر العصبية:

      تقوم الخلية العصبية بتوصيل النبضة الكهربية حيث تمر من جسم الخلية عن طريق محورها إلي جسم الخلية التالية. ويطلق علي مكان المحور بالخلية التالية وصلة سينابسية synapse ويمكن أن تحدث ألاف الإلتماسات المتشابهة بجسم خلية واحدة .

      والشكل يوضح أن النيرون الرئيسي علي هيئة دائرة يخرج منها خط مستقيم حيث تمثل الدائرة جسم الخلية، أما المستقيم فيمثل محور الخلية الذي يوصلها بخلية أخري .

      ويوجد نوعان أساسيان من الوصلات العصبية ، الأول ويطلق علية بالوصلة العصبية الإستثارية وهو عبارة عن وصلة عصبية تقوم فيها النبضة العصبية الأتيه لها من المحور بإستدعاء نبضة أخرى ( إجابة ) للخلية العصبية الثانية التي توجد علي الجانب الأخر من الوصلة، وهذا يعني أن توصيل تلك الإستثارة يتم علي مستوي الوصلة العصبية إلي الخلية التالية والثاني أي الوصلة العصبية الكافة Inhibitive  يعمل علي كف أو عدم توصيل الإستثارة كما هو موضح بالشكل. وحتي تتم الإستثارة لابد من وجود عدد كافي من تلك النبضات الكهربية حيث أن نبضة واحدة لا تكفي . ولغرض الفهم والتوضيح نجعل الحديث يدور عن نبضة كهربية واحدة تعمل علي استدعاء نبضه للخلية التالية .

 

ولكن كيف يتم تخزين الأثر العصبي ، وليكن من النوع الحسي في الذاكرة ؟

      للإجابة علي هذا السؤال نفترض أن الإنسان قد عرض علية عنوان محدد يبدأ بالحرف (A) يلي عملية العرض نوع من التعرف علي الصورة الإدراكية لهذا العنوان حيث يستطيع الفرد تمييز الفروق القائمة بين عناصر هذه الصورة بدرجات مختلفة وأنه قد تم التعرف علي الحرف (A) فعند عرض هذا الحرف فإن الجهاز العصبي يمكن أن يستجيب لهذا المثير (A) علي الأقل بثلاث طرق :

 

1- فمن المحتمل أن تستجيب خلية عصبية محددة لظهور كل حرف من الحروف, لذلك فإن نظام التعرف علي الصيغة ( صورة Image) أو الذي سبق له إكتشاف وجود الحرف (A)يعمل علي أن يستجيب ذلك الكاشف Detector للحرف (A) . (I)

2- وقد يستجيب لكل عنصر من عناصر المجال الإدراكي للشئ مجموعة خاصة من الخلايا العصبية ، فعند أختفاء الحرف (A) يستجيب تركيبة خاصة من مجموعة الخلايا العصبية لتخبر عن غياب الحرف (II) .

3- ومن الممكن أن يكون لكل حرف شفرة خاصة مسئولة عن معرفته واستدعائه ، إذن فالحرف (A) طبقا لذلك يتجدد بنظام محدد لتفريغ الشحنات العصبية (III) وما هو عام في هذه الأنظمة الثلاثة هو لابد من وجود طريقة ما تؤدي لتذكر هذا الحرف وتلك الطريقة لابد وأن تعبر عن نظام .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


شكل (3)

 

 شفرة الحرف (A) والذي ارتبط به سابقا ولكن كيف تحدث عملية التذكر ؟

ولمعرفة شئ ما عن هذه العملية المعقدة نحاول عرض توضيح لأبسط نموذج للذاكرة

 

الدوائر الارتدادية Reverbrative Cercutits                      

       وتعبر الدائرة عن أبسط نماذج الذاكرة وهي عبارة عن عروة مغلقة ، ولنفترض أن هناك مجموعات عصبية خاصة A:B  ( شكل 27) تقع في القشرة الدماغية وأن الألياف العصبية X , Y تأتي من أنظمة التعرف علي الصيغة ( الصورة Image ) .

 

      ولنفترض أنه في لحظة ما ظهرت لتلك الأنظمة اشارة ما من نوع الحسي ( بصري ، سمعي ، شمي ) وعليه فإن إجابة تلك الألياف العصبية يمكن أن تطابق أي شفرة من الثلاثة إحتمالات السابقة الذكر ، ويحدث الميكانيزم التالي :

 

الإشارة التي تصل خلال الليفة العصبية :

      تعبر عن بداية تتالي الأحداث في مجموعة الخلايا وعليه فإن الخلية (A) تستجيب لنشاط الليفة العصبية حيث تعمل بدورها علي استدعاء استجابة خاصة من الخلية .

      وتبدأ النبضات العصبية التحرك بجسم الخلية حيث تستدعي بطريقة دورية تفريغ شحنة كل نيرون. وعلية تدور الإستثارة لتغطي كل الدائرة ثم تبدأ الدورة من جديد . وبالتالي فإن تلك الدائرة الارتدادية تعمل علي إنعكاس الإشارة الحسية القادمة والتي تعمل علي استدعاء تتابع النبضات الكهربية الذي يظل باقيا مدة زمنية طويلة نسبيا بعد إنقطاع تلك الإشارة التي أدت في الأصل إلي حدوث عمليات الإرتداد داخل الدائرة .

      تلك الميكانيزمات الارتدادية ( الإنعكاسية ) داخل العروة Loop هي في حد ذاتها عبارة عن ذاكرة كهربية تخبر بحدوث نشاط في الليفة العصبية (X) ، وبنفس الطريقة المتشابهة فإن أي نشاط في العروة (B) عبارة عن ذاكرة كهربية تخبر عن الأشارة (B) ولكن هذا النشاط الإنعكاسي لتلك الدائرة والذي حدث تحت أثر الإشارة المستقبلة ويجب ألا يستمر إلي ما لا نهاية ، إذن ما الذي يؤدي إلي توقف هذا النشاط الارتدادي وهنا أيضا توجد عدة إحتمالات :

 

الأول: هو تعقد الشكل الذي توجد عليه مجموعات الخلايا العصبية حيث يؤدي لتأثيرات خارجية بالنسبة لهذه المجموعات كمعلومات عديدة عند مداخل هذه الدوائر إلي خلل النظام الدوري لهذه النبضات .

الثاني: ظهور اشارات جديدة تماما تتطلب إستجابة نفس المجموعات التي توجد في حالة إرتداد. وبالتالي تعمل الإشارات الجديدة علي كف النشاط السابق التي توجد عليه تلك الدوائر .

الثالث: عدم كفاءة نفس مجموعات الخلايا العصبية . فقد لا تؤدي خلية عصبية دورها علي ما يرام أو كما ينبغي وبالتالي فهي غير قادرة علي استدعاء الخلية التالية لها .

الرابع: قد يتوقف النشاط الارتدادي كنتيجة للإجهاد الكيميائي للخلايا العصبية ، أو للوصلات. ولهذا فإن النشاط الكهربائي الإنتقائي لعروة عصبية محددة يعمل علي تحقيق الذاكرة قصيرة المدي التي تحتفظ بالمعلومات فترة ما . وكيف يمكن إذن بنفس الدوائر شرح الذاكرة طويلة المدى .

 

ميكانيزمات التقوية Consolidation Mechanism

      لكي يمكننا أن نقرر وجود نظام ما ، أي نظام لابد من تحقيق شرط أساسي هو التأثير المتبادل بين العناصر التي يحتويها هذا النظام حتي يمكن الإحتفاظ أو تخزين الأثار العصبية لفترة طويلة. فلابد من حدوث علاقات التأثير المتبادلة بين الخلايا العصبية المسئولة عن نظام الذاكرة طويلة المدى.

      وطبقا لإحدى النظريات التي تكاد تحظي بإتفاق عام فإن التكرار المتعدد للنشاط الكهربي في الدوائر العصبية يعمل علي حدوث تغيرات كيميائية أو تركيبية في الخلايا العصبية ذاتها، وهذا بدورة يؤدي لظهور دوائر عصبية جديدة .

      وعملية التغير في الدوائر هذه يحدث فيها تشفير آثار جديدة في الذاكرة ويطلق عليها مفهوم التقوية Consolidation وغالبا ما يحدث تقوية الأثر خلال فترة زمنية طويلة نسبيا . ووفقا لهذه النظرية تتكون لكل آثار Traces محددة دوائر عصبية وتطابقها، والنشاط الكهربي في هذه الدوائر يعكس نشاطها المؤقت ، وهذا النشاط الكهربي المؤقت لهذه الدوائر يطلق علية الذاكرة قصيرة المدي . وإذا ما إنصفت تلك الدوائر العصبية بالثبات والإستمرار النسبيين أطلق علي تلك التركيبات الذاكرة طويلة المدى .

 

ويمكن أن نستخلص إذن مايلي:

      الذاكرة بنوعيها قصيرة أم طويلة المدى يمكن أن تؤسس علي نفس العناصر العصبية ويكون الفرق بينهما هو أن الذاكرة القصيرة عبارة عن النشاط الكهربي المؤقت لمجموعة محددة من الخلايا العصبية في حين أن الذاكرة طويلة المدى هي ذلك التركيب ثابت من العلاقات المتبادلة بين نفس مجموعة الخلايا العصبية .

      ولما كانت عملية التقوية أساسية بالنسبة للذاكرة طويلة المدى ، فما هي الميكانيزمات التي تشترك في تقوية دوائر الذاكرة ؟ ولكن الإجابة علي هذا السؤال ترتبط بالإجابة علي سؤال أخر . ماذا نعني بالتركيب الثابت للذاكرة ؟

 

وفي هذا الصدد يوجد إفتراضان أساسيان :

الفرض الأول : يقوم علي نظام التفسير الكيميائي للذاكرة ، أما الثاني فيفترض ظهور وصلات جديدة Synapses مسئولة عن ثبات التركيبات العصبية في دوائر الذاكرة ، وطبقا للفرض الأول نعتبر أن الذاكرة طويلة المدى تنحصر في تركيب الجزيئات البروتينية في كل وصلة عصبية ، ويذهب بنا ذلك التحليل للتساؤل عن كيف يمكن للمعلومات الكيميائية التأثير علي التوصيل السينابسي ؟

      والإجابة تتمثل في إحتمال واحد هو أن من خصائص النيرون Neuron إمكانية التأثير علي توصيل المعلومات خلال الفراغ أو الشق السينابسي الذي يفصل المحور عن جسم الخلية الأخرى وعلية فإن المعلومات العصبية تصل خلال هذا الشق بطريق كيميائي ، وصول نبضة عصبية إلي الوصلة العصبية يعمل علي تحرير وسيط كيميائي نوعي في هذا الشق ويؤثر علي قابلية جسم الخلية للإستثارة .

      فإذا كانت الذاكرة تختزن في شكل كيميائي سواء كان في الوصلة العصبية أو في تركيبات عصبية أخرى تشترك في تحرير الوسائط الكيميائية لأمكن لها ، أي للذاكرة تنظيم عمل الإتصالات السينابسية .

 

الفرض الثاني : وطبقا لبعض التصورات الأخري فإن الذاكرة طويلة المدى يمكن أن تكون نتاج تكوين أو ظهور وصلات عصبية جديدة فإن صحت هذه النظرية فهذا يعني أنه في كل مرة يتعلم فيها الإنسان مادة جديدة أو يمر فيها بخبرة جديدة تحدث تغيرات داخل المخ .

      وعموما فإن تلك التغيرات وما يشابهها يجب أن تلاحظ عند الدراسة الميكروسكوبية للنيرونات ، وعمليا فإن تحقيق هذا المطلب صعب جدا بل في حكم المستحيل ، حيث لابد من ملاحظة خلايا عصبية حية تحت الميكروسكوب لحظة استجابتها علي النبضات العصبية .

ومهما كانت طبيعة النظام المشترك في تشفير الذاكرة طويلة المدى سواء كانت تغيرات كيميائية أو تكوين وصلات عصبية جديدة .

      فالنتيجة واحدة ، هي أن الوصلة العصبية Synapse عبارة عن المكان الوحيد الذي يعاد تعديله ، وعليه فإن أي من النظريتين يمكنها تقديم صورة واضحة عن عملية الشفرات المختلفة مع تحفظ أن تلك الشفرات تحدث فقط في خلايا عصبية محددة دون غيرها .

     إذن فالوصلة العصبية تتغير بطريقة ما بحيث تستجيب الخلية العصبية فقط عند وجود تلك الإشارات أو المعلومات النوعية المهيأة لها . فإذا كان الأثر الذي تحتويه الذاكرة يرتبط بمجموعة من الخلايا العصبية الخاصة ، فإن الأمر يتطلب أن يكون تأثير النبضات القادمة يشمل إتصالات سينابسية مختلفة. وحتي يتم تشفير الأثر علي هذا النحو فإن كل التغيرات الحادثة في الوصلات العصبية للخلايا المختلفة يجب أن تتم قريبا في نفس الوقت بالنسبة لمجموعة الخلايا العصبية وأخيرا إن كان التذكر مرتبط بشفرة خاصة للتفريغ العصبي فلابد من وجود ميكانيزم يقوم بفك شفرة المعلومات المؤقتة . فمثلا يمكن للخلية أن تجيب فقط في تلك الحالة عندما يصلها عدد 2 نبضة عصبية بسرعة كل تلو الأخرى بعد ذلك تحدث فترة سكون لمدة زمنية معينة ثم يصل للخلية نبضة واحدة (تقريبا شبة ما يحدث في نظام مورس للتلغـراف ) .

وحتي تكون تلك الخلية أو مجموعة الخلايا حساسة فقط لهذه الشفرة لابد من وجود دوائر خاصة للزمن ، تحدث في التركيبات العصبية أو يظهر وسيط كيميائي ما غير معروفة طبيعته حتي الآن . ومهما كانت عملية التشفير عملية طويلة فإن الشئ الوحيد الذي لا يدع مجال للمناقشة هو أن الذاكرة قصيرة المدى بفعلها ذات طبيعة كهربية ، فالتذكر المباشر للأحداث يكون ممكنا بمساعدة الإجابات الكهربية علي هذه الأحداث .

 

بناء الذاكرة:

      عرضنا فيما سبق معني وأنواع وطبيعة الذاكرة كما إستوضحنا بعض الأسس العصبية و الفسيولوجية للذاكرة ، ولكن لا يزال أمامنا تساؤل هام عن طبيعة بناء الذاكرة . هل أمكن التوصل إلي نموذج علمي يوضح خصائص النظام الذي يعكس بناء الذاكرة والذي تتمخض عنه مجموعة الوظائف الهامة للذاكرة كبناء، يعرف تاريخ العلم في مختلف فروعة المتعددة مفهوم النموذج فهناك نماذج بناء الذرة ونماذج بناء النواة ، وقد تأثر بذات المنهج العلمي علم النفس في محاولته لوضع نماذج النشاط العقلي المعرفي بمعني توضيح بناء القدرات العقلية للإنسان من خلال النموذج ، فهل هناك نموذج يوضح لنا بناء وطبيعة عمل الذاكرة ؟

      منذ نهاية القرن التاسع عشر قدم وليم جيمس فكرته عن أن الذاكرة تحتوي علي تنظيم ثنائي التقسيم dichotomous  وقد تضمنت فكرة وليم جيمس وجود مركبينى للذاكرة ، تعبر الأولي عن الذاكرة الأولية وهي تماثل في وجهة النظر المعاصرة الذاكرة القصيرة المدى وتعكس مدى إحتوائها علي تلك المادة التي لم تترك الوعي بعد . أما الثانية تمثل الذاكرة الثانوية وهي تماثل الذاكرة طويلة المدى في النماذج العملية المعاصرة حيث تحتوى علي تلك المادة التي لم توجد فى الوعي ولكن استدعاؤها إلي الوعي عند الحاجة. وعلم النفس الموضوعي لا يقف عند مجرد طرح الإفتراضات وإنما يحاول أن يؤكدها من خلال الأبحاث التجريبية الدقيقة ولفترة طويلة بعد أن صاغ وليم جيمس إفتراضاته لم تكن هناك أية نتائج مادية تدعم افتراضاته عن طبيعة التقسيم الثنائي للذاكرة ، وقد أثبتت أبحاث العديد من الباحثين أمثال هرمان ابنجاهوس ، ماردوك ظاهرة الإستدعاء الحر لقائمة من الكلمات التي لا تتعلق كل منها بالأخرى ومن ثم فإن الكلمات التي توجد في آخر القائمة يزداد إحتمال وجودها في الذاكرة قصيرة المدى عند حدوث الإستدعاء الحر. كذلك أمكن تأكيد التقسيم الثنائي من بعض الأدلة الكلينيكية حيث أوضح ميلز سنه 1966 تأثير الذاكرة عند أحد حالات مرضي الصرع الشديد بإزالة جزء من منطقة حصان البحر بالمخ حيث تم شفاء المريض من مرض الصرع. وبإعطائها أختبارات لأداء الذاكرة إتضح أنها لا تعاني أي مشكلات بالنسبة لإسترجاع الأحداث التي قد تم تعلمها قبل إجراء العملية حيث يمكن للمريض معرفة أسمه وعنوانه وجدول الضرب كما يتذكر بعض معلومات عن الحرب العالمية الثانية وهكذا….. فإن تلك الدلائل الكلينيكية تؤكد ظاهرة التقسيم الثنائي للذاكرة .

      وتظهر خصائص الذاكرة قصيرة المدي علي وجه التحديد في اختبارات مدى الذاكرة التي تحتوي عليها بعض إختبارات الذكاء . حيث يطلب من المفحوص إسترجاع مجموعة من الأرقام تعرض عليه لمدة ثواني محددة تؤكد حدوث الذاكرة قصيرة المدي كما توضح هذه التجارب إمكانية قياس مدى الذاكرة قصيرة المدي أما عن الذاكرة طويلة المدى فإنها تظهر لدي الفرد عادة عندما يحاول استرجاع معلومات مؤكدة عن المواد الدراسية الأساسية التي نعلمها فيما سبق كجدول الضرب مثلا أو بعض الأحداث التي حدثت له منذ شهور مضت فهو واقع ملموس لا يمكن إنكاره .

 

عوامل بناء الذاكرة :

      عرفت مما سبق أن الذاكرة بناء يعكس خصائص لعملية نفس فسيولوجية إختراقية بمعني إنها تمثل العمود الفقري للخصائص النفسية عند الإنسان والتي بدونها لا يمكن دراسة النفس البشرية ومن ثم فإن ذلك البناء يتوقف علي عدة عوامل رئيسية أهمها مايلي :

 

1- مادة التذكر :

      تتأثر الذاكرة من فرد لآخر بنوع المعلومات والشكل الذي تقدم فيه هذه المعلومات . فمثلا تنظيمها في صفوف يختلف عن تنظيمها في شكل أعمدة يختلف عن تنظيمها في جداول محددة كذلك فإن الذاكرة تتوقف علي حجم المادة ( المعلومات ) ومدى تناسبها مع زمن تعلمها ، كما أن تجانس المعلومات أو عدم تجانسها يؤثر علي بناء الذاكرة وأخيرا فإن التعود ذاته علي إستقبال معلومات من نوع معين يؤثر في مدى تذكرها . وهنا فإن عامل المعني يلعب دورا هاما بالنسبة للبالغين في عملية التذكر .

 

2- دور الممارسة :

      وهنا نتحدث عن مدي تجزيئي المعلومات إلي عناصر متتالية أم محاولة التعامل مع المعلومات في صيغة كلية حيث يفضل البعض الممارسات الجزئية بينما يتعامل البعض الآخر مع نظم المعلومات المتكاملة التي تشكل وحدة وظيفية بنائية ليس من السهل أن تعاني من الفقد في المعلومات عند إنتقالها من مستوي تذكر إلي مستوي أخر .

 

3- الموقف – الدافعية – رد الفعل الإنفعالي :

      يصدف أن تتقابل فجأة مع أحد الأشخاص ثم تحاول بأسلوب إرادي أن تتذكر إسمه ولكنك قد تفشل في معرفته وبعد توديعك له بفترة تتذكر إسمه وقد يكون كاملا. وهنا يؤثر الموقف علي مدى إستدعاء المعلومات…. كذلك قد تكون ممن يبذلوا جهدا عظيما في إستيعاب مادة دراسية معينة ولكنك بسبب موقف رهبة الإمتحان لا تستطيع أن تستدعى ما تريده من معلومات وهنا يختلف الأفراد في ردود الأفعال الإنفعالية حيث هناك من يستقبل الموقف بهدوء وتركيز وهناك من تستثار لديه حالة الإضطراب أو الخوف أو عدم التوازن الإنفعالي الذي يؤثر علي إستدعاء المعلومات وجميع هذه الصفات إنما نكتسبها بسبب أخطاء أساليب التعلم والتربية. وأخيرا نجد أن عامل الدافعية – يؤثر علي مدي تمسكك ببعض المعلومات في أقصر وقت ممكن .

 

4- دور الخصائص الفردية للفرد ذاته بالنسبة للذاكرة :

      وهنا تظهر الفروق الفردية في نمط الذاكرة السائدة لدى الفرد فهناك من يعتمد علي الذاكرة البصرية وهناك من يعتمد أكثر علي الذاكرة المنطقية وهناك من يميل إلي تنظيم المعلومات  بأسلوب الجدولة بينما الآخر إلي تنظيم المعلومات في شكل نقاط متتالية. وهنا يظهر تأثير أسلوب التعلم علي الذاكرة وأخيرا فإن هناك بعض المهارات العقلية التي تؤثر علي الذاكرة . كإدراك علاقات التشابه مثلا أو علاقات الإختلاف أو إستخراج بعض العلاقات المميزة لكل فكرة أو موضوع كما أن هناك من يميل إلي الحدث والعلاقات المكانية والأسلوب التخليقي لإكتساب المعلومات بينما يميل الآخرون إلي الإسلوب التحليلي المنطقي الرقمي للمعلومات .

 

نحو نموذج شامل لتوضيح عمل الذاكرة :

      في الصفحات القادمة سوف نقدم بإيجاز أهم النتائج التجريبية التي توضح ما تم الإتفاق علية بين غالبية علماء علم النفس وعلماء الإليكترونيات والطبيعة والرياضيات حول طبيعة النموذج الذي يعكس بناء ووظيفة الذاكرة ولعدم إمكانية تغطية جميع جوانب النموذج في هذا المؤلف المتواضع فإننا سنكتفي فقط بعرض عام للنموذج ثم نحاول التعرض بشئ من التفصيل إلي الذاكرة البصرية والذاكرة السمعية لما لهما من أهمية خاصة ومكانة فريدة لنمو وبناء النشاط النفسي بصفة عامة فلا يمكن حدوث التعلم أو التذكر بدون وجود المعلومات البصرية والصوتية فهما يمثلان دعامة النشاط النفسي حيث تعرفنا في الفصول الأولي علي طبيعة العملية النفسية وأوضحنا أهمية الحواس بالنسبة لبناء جميع العمليات النفسية .

     والآن سنتعرف علي نظرية شاملة بسيطة لكيفية عمل الذاكرة . هذه النظرية قد تم تطويرها علي يد العديد من علماء النفس مثل نورمان Norman سنة 1965 وقد تم وضعها بشكلها الكامل علي يد كل من ريتشارد Richard وأتكنسون Atkinson سنة 1968 ، سنة 1971 والشكل 28 يوضح رؤية دقيقة للذاكرة وعملية الإخبار حسب هذه النظرية . والصناديق تمثل مخازن أو مستودعات للمعلومات ، والأسهم تمثل تدفق المعلومات من مكان إلي أخر..في أي لحظة زمنية تكون أعضاؤنا الحسية محملة بكمية كبيرة من المعلومات الخاصة بالبيئة. فتدخل المعلومات من خلال إحدى الحواس إلي مخزن الحواس ( الذاكرة الحسية ) وهو ممكن أن يستوعب كمية كبيرة من المعلومات. ولكن هذه المعلومات سرعان ما تتبخر خلال ثانية واحدة أو أكثر. وعلي ذلك فإذا لم تنقل المعلومة من مخزن إلي آخر فسوف تفقد. وقد ركز علماء النفس أبحاثهم علي الذاكرة البصرية Iconic Store ، والذاكرة السمعية Echioc Store .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 1- الذاكرة البصرية :

      وهنا نبدأ بهذه التساؤلات … هل توجد ذاكرة بصرية ؟ وكيف تؤخذ المعلومات البصرية بواسطة العين ؟ وكانت الإجابة علي هذه التساؤلات في تجارب سبرلنج Sperling سنة 1960 التي وضعت الأساس لعمل ليس فقط الذاكرة البصرية ولكن أيضا الذاكرة الحسية بصورة عامة. ولكي نقترب من السؤال الثالث أطلب من صديقك أن ينظر خلال الحجرة أو المكان الموجود به ولاحظ عينية أثناء ذلك . فستجد أن العينين يثبتان لفترة وجيزة ثم يتحركان بسرعة لأخذ وضع آخر ثم يثبتان لفترة وجيزة أخري  ثم يتحركان … ثم يثبتان … وهكذا وتلك الفترات التي تثبت خلالها العينان تسمي فترات الثبات Fixations بينما تسمي حركات العين السريعة والتي تفصل بين فترات الثبات هذه بالقفرات وتؤخذ المعلومات البصرية بالعين خلال فترات الثبات بينما تتوقف أساسا لسرعة كبيرة جدا عن طريق جهاز t-scope ويطلب من المفحوص أن يتذكر أكبر عدد ممكن من الحروف ، وكانت النتيجة إن مدى الفهم أو الإدراك كان يتوقف عند 4 أو 5 حروف فقط. وهذا إجراء سىء جدا ، لأنه من الملاحظ أن بعض الحروف قد نسيت تماما ولكي نعالج هذه المشكلة فقد إقترح سبرلنج أسلوب جزئي للتذكر في تجربته الأولي سنة 1960 الموضحة بالشكل التالي :

 

تقديم أنظمة ذات سعات

يتبع عرض النظام في الحال

متغيرة من الحروف لمدة 50 مللى من الثانية .

إشارة صوتية تخبر المفحوص بأي صف يتذكرة

A  D  J  E

( الصف الأعلي ) تردد عالي

X  P  S  B

( الصف الأوسط ) تردد متوسط

N  L  B  H

( الصف الأسفل ) تردد منخفض

(1)

(2)

 

يحاول المفحوص أن يتذكر الحروف من الصف الصحيح المشار إليه ؟

 

أسلوب التذكر الجزئي لسبرلنج :

      وفي هذه التجربة يتم عرض السلسلة للمفحوص ويطلب منه أن يتذكر فقط صف من أربعة حروف عن طريق نغمة ( تردد ) عالي أو متوسط أو منخفض وكانت النتيجة في غاية الأهمية لأنها تبين وتقيس بدقة كمية المعلومات التي يتمكن المفحوص من إدراكها . كما إنها تتيح للمفحوص أن يتذكر كمية من المعلومات أكبر من أسلوب التذكر الكلي . ومن هنا تشير هذه التجربة إلي وجود مجال واسع من المعلومات البصرية التي يستقبلها المفحوص بنفسه. وهكذا تثبت هذه التجربة أن الذاكرة البصرية عريضة السعة .

     وفي تجربة سبرلنج الثانية سنة 1960 إستخدم سلسلة ذات سعة واحدة تعكس التجربة الأولي . وبينما كانت النغمة تعطي في نفس الوقت الذي تظهر فيه السلسلة في التجربة الأولي ( أي يكون وقت التأخير = صفر ) . نجد أن فرق التوقيت بين ظهور السلسلة وإعطاء النغمة الإشارية مختلفا في تجربة سبرلنج الثانية. وكانت النتيجة أن ثانية واحدة هي فترة الزمن التي تستغرقها الصورة لتتلاشي . وهكذا تثبت هذه التجربة وجود ذاكرة بصرية تتلاشي منها المعلومات خلال ثانية واحدة تقريبا .

 

2- الذاكرة السمعية :

      رأينا أن عملية التذكر الجزئي لسبرلنج نجحت في الكشف عن الذاكرة البصرية ولكن ما مدى نجاح هذا التكنيك بعد تعديله للكشف عن ظاهرة مشابهة عن المعلومات الصوتية….!! وقد تم تعديل تكنيك سبرلنج سنة 1965 بواسطة موراى Moray وآخرون كما تم تحسينه وتطويره سنة 1972 علي يد داروين ، وترفي ، وكرودر Crowder . وقد أثبتت التجارب أن المعلومات الصوتية تتلاشي من الذاكرة السمعية بالتدريج خلال أربع ثواني . بينما كانت المعلومات البصرية تتلاشي من الذاكرة البصرية خلال ثانية واحدة تقريبا ( 200 : 1000 مللي من الثانية ).

ما هي نوع المعلومات المخزونة في الذاكرة الحسية ؟

      كانت الإجابة في تجربة سبرلنج الثالثة سنه 1960 فقد قدم للمفحوص سلاسل تحتوي علي خليط من الحروف ، والأرقام. وطلب منه أن يتذكر الأرقام عندما تكون النغمة عالية بينما يتذكر الحروف عندما تكون النغمة منخفضة . وكانت النتيجة أن المفحوص لم يستطيع التمييز بين الحروف والأرقام . وهكذا تثبت هذه التجربة أن المعلومات المختزنة في الذاكرة الحسية هي معلومات خام أي لم تحلل إلي معاني.

 

ثانيا: الذاكرة القصيرة المدى :Short-term Memory

      وتلك الذاكرة تحتفظ بأي مادة متعلمة كما أن الإبقاء علي المعلومات ليس هو إنعكاس كامل للأحداث الفعلية كما هو الحال عند المستوي الحسي ( النمط الأول ) وإنما هو ترجمة مباشرة لهذه الأحداث فمثلا إذا قيل أمامك جملة ما فإنك لا تتذكر عدد الأصوات في هذه الجملة بقدر ما تتذكر عدد الكلمات التي تحتويها تلك العبارة .

     وهذا المخزون يسمي بالشعور Consciousness وهو يتميز بقدرة محدودة كما أن المعلومة في هذا المخزن تفقد خلال 15 ثانية تقريبا وهي تستمر إلي فترة تختلف من شخص لأخر إلى آخر ومن الممكن تحقيق ذلك عن طريق التكرار. وتفترض النظرية أن للناس قدرة علي إدخال أي معلومة في Rehearsal buffer وبالتالي يجعل أي معلومة أخري تتبخر من الذاكرة القصيرة المدي. والشخص يحدد أي معلومة تدخل وأي معلومة تتلاشي.

      وهنا ندرك أن هناك فروقا جوهرية بين تذكر شكل الأحداث نفسها وتذكر ترجمة هذه الأحداث بالمخ .

والمعلومات المختلفة كرقم تليفون أو إسم شخص ما يمكن بقاؤها والإحتفاظ بها في هذا النوع من الذاكرة . وتكرار المادة المتعلمة مرات كثيرة يعمل علي بقائها فترة أطول . والقدرة علي حفظ المادة نشطة في الذاكرة قصيرة المدي عن طريق التكرار المنظم لعناصر مكوناتها يعتبر إحدى الخصائص الهامة والأساسية لنظام الذاكرة .

      فمعلومات النمط الأول لا يمكن تخزينها والإبقاء عليها إلا لأجزاء صغيرة من الثانية ( 200 : 1000 مللي من الثانية ) ، أما معلومات النمط الثاني طبقا لقانون التكرار والممارسة والتعلم يمكن الإحتفاظ بها فترات تختلف من مادة لأخري حسب طبيعة المعلومات المراد تذكره .

 

ما هي العمليات المتداخلة في الذاكرة قصيرة المدى ؟

     هنا يظهر تساؤل ….كيف نستدعي المعلومات من الذاكرة قصيرة المدى ؟

ومن المهم قبل أن نناقش عملية الإستدعاء ، أن نقوم بشئ من التمييز بين العمليات المحتملة. وهناك بديلان من العمليات سوف نتعرض لهما هنا :

 الأولي : هي عملية مسح متتابع Successive-scanning process والثانية : عملية تقابل . وسوف يساعدنا التشبيه التالي علي فهم الفرق بين هاتين العمليتين . فإذا عرض علي شخص ما بطاقة " البنت ذات القلوب " من مجموعة أوراق اللعب ( الكوتشينة ) ، فإنه يستطيع أن يتعرف عليها بسهولة ويقول " إنها البنت ذات القلوب ". كيف يفعل ذلك بهذه السرعة ؟ هل يقرر أولا أنها " بنت " ثم بعد ذلك إنها فئة القلب (عملية مسح متتابع) ؟ أم أنه يقرر أولا إنها قلب (عملية مسح متتابع مرة أخري) ؟ أم أنه يتعرف علي البعدين معا ( عملية تقابل )؟ حتى الأن لم نجب بعد علي هذا السؤال بالذات ، ولكن المثال التوضيحي التالي ، سوف يساعدنا حتما علي توضيح الفرق بين عملية الفحص المتتابع وعملية التقابل .

      ففي تجربه أجراها ستيرنبرج Strenberg كان يعرض علي شخص ما مجموعة من الأشياء للتذكر ، وهي تحتوي عادة علي مجموعة من الأرقام تتراوح بين رقم واحد وستة أرقام مثلا ، وبعد ذلك بقليل يعرض علية رقم ما ويطلب منه أن يقرر ما إذا كان هذا الرقم يدخل ضمن المجموعة التي حفظها . ويقوم الشخص بالضغط علي أحد زرين للإجابة علي ذلك بنعم أو لا ، بأقصى سرعة ممكنة . ويقاس زمن الضغط موجها إلي العلاقة بين زمن الرجع وحجم مجموعة التذكر كما لاحظ أن هناك علاقة موجبة بين زمن الرجع وحجم المجموعة المتذكرة فكلما زاد حجم مجموعة التذكر طال زمن الرجع .

     وتوحي نتائج ستيرنبرلج أن عملية الإسترجاع في الذاكرة قصيرة المدى تتضمن عملية مسح متتابع ، بمعني أن الشخص يقارن الرقم المطلوب الحكم عليه بكل رقم من أرقام مجموعة التذكر مقارنة تتابعية ، وأن كلا من هذه المقارنات تأخذ نفس الوقت تقريبا .

 

ثالثا: الذاكرة طويلة المدى :

       تؤكد الإبحاث وجود خلافات جوهرية بين تلك الذاكرة وغيرها من الأنواع الأخري . فالمعلومات التي تتلوها يمكن تذكرها بشكل أو بآخر أما تلك التي تستقر وتمكث في الذاكرة فترة طويلة تتطلب وقتا وجهدا معينين. كذلك فإنه من الصعوبة استرجاع تلك المعلومات أو الأحداث التي مضي عليها زمنا طويلا إذا ما قارناها بالأنواع الأخرى من الذاكرة .

وعلي ذلك يمكن وصف الذاكرة القصيرة بأنها مباشرة واضحة أما الطويلة المدي فإنها ذات جهد وصعوبة بالغتين .

      وإذا سئلت مثلا ما هي آخر الكلمات السابقة لهذا السطر ؟ فإنك يمكن أن تتذكر كلمة ( صعوبة بالغتين ) أما إذا سئلت ما هي أنواع الطعام التي تناولتها يوم الجمعة الماضي فإنك تجد مشقة في محاولة تذكر هذه المادة السابقة .

والذاكرة طويلة المدى مهمة جدا بل هي عماد النشاط بأنظمة التذكر الأخرى .

      فإذا كانت سعة الأنواع السابقة من الذاكرة محددة وواضحة فإن الحال يختلف تماما في الذاكرة الطويلة المدى حيث يمكن القول عنها بأنها بلا حدود تقريبا . فهذا المخزن له قدرة غير محددة علي وجود المعلومة حاضرة وباستمرار .

مثال: إسمك ، وجدول الضرب ، وأيام الأسبوع…الخ.

وأهم المشكلات التي نقابلها عند الحديث عن الذاكرة طويلة المدى هي مشكلة البحث عن المعلومات المختزنة بها حيث حجمها الضخم ونظام التشفير بها من كم وكيف . وكلما مكثت المعلومة في المخزن قصير المدى فترة أطول فإنه من الممكن أن تنقل إلي المخزن طويل المدى .

 

ما هي العمليات المتداخلة في الذاكرة طويلة المدى ؟

      تحتوى الذاكرة طويلة المدى علي قدر كبير من المعلومات . فهي تحتوي علي حقائق عن خبراتنا الشخصية مثل أحداث اليوم الذي تخرجنا فيه من المدرسة الثانوية أو ما فعلناه في نهاية الاسبوع الماضي. وهي تحتوي أيضا علي معلومات من نوع آخر تسمي بالمعلومات اللغوية . وفي بحث حديث قام به إندل تلفنج Endel Tulving استخدمت عبارة ذاكرة لغوية لتشير إلي المعرفة المنظمة التي لدينا عن الكلمات ، والرموز اللغوية الأخرى ، ومعانيها ، وما تشير إليه ، كذلك العلاقات بينها ، والقواعد ، والمعادلات واللوغاريتمات التي تتعلق بها . هذه الملايين من البنود إن هي إلا جزء من الذاكرة بعيدة المدى ، ولا شك في إننا علي مهارة كبيرة في الوصول إلي ذلك المخزن للحصول علي الإجابة الصحيحة للعديد من الأسئلة التي توجه إلينا. ولكن ما هي العملية التي تعيننا علي الحصول علي إجابة تطابق تماما ما هو مطلوب من السؤال ؟

      لقد طرح ج فريدمان و أ . لوفتاس J.Freedman and E.Loftus هذا السؤال بطريقة أدق علي النحو التالي : إذا طلب من شخص أن يبحث في ذاكرته طويلة المدى عن أمثلة لنوع معين من الأشياء فهل يتضمن إسترجاعه هذه العملية فحص متتابع من نوع ما ؟ لكي يجيب فريدمان ولوفتاس عن هذا السؤال ، طلبا من بعض الأشخاص أن يأتوا بمثال لشئ يندرج تحت نوع معين مع مراعاة لبعض القيود . مثلا :

 " أت بإسم فاكهة يبدأ بحرف "ب" ثم قاس المجربان الزمن الذي يحتاجه الاسترجاع ويتضمن عملية فحص متتابع لأفراد النوع، أي إذا كان الأفراد يحلون مثل هذا الواجب عن طريق القيام بفحص لأصناف من الفاكهة حتى يعثروا علي صنف يبدأ بالحرف "ب" عندئذ فإن تسمية شئ يندرج تحت فئة كبيرة لابد وأن تأخذ وقتا أطول مما تأخذه تسمية شئ يندرج تحت فئة صغيرة . بعبارة أخري فإن تسمية نوع من الفاكهة يبدأ بالحرف "ب" لا بد وأن يأخذ وقتا أطول مما تأخذه تسمية فصل من فصول السنة يبدأ بالحرف خ. ولكن إتضح إن هذا الفرض لم يكن صحيحا ، بمعني أنه لم يكن هناك فرق زمني بين الحصول علي شئ يندرج تحت فئة كبيرة وشئ يندرج تحت فئة صغيرة وعلي ذلك فقد استنتج فريدمان ولوفتاس إنه أيا كانت العمليات التي تتدخل في الإسترجاع من الذاكرة طويلة المدى فإن هذه العمليات لا تتضمن فحصا متتابعا .

      إن إحدى المشكلات الهامة في دراسة الإسترجاع من الذاكرة بعيدة المدى هي أننا لا نعرف علي وجه التحديد كيف اكتسبت المادة المخزونة في هذه الذاكرة أصلا. ولا نعرف كذلك ما هو تركيبها بالضبط ، أو كيف تنتظم . ولكي نفترض وجود ميكانيزم معين للإسترجاع ، يلزمنا إفتراض وجود تركيب معين نسترجع منه. وعلي سبيل التشبيه كيف نستعير كتابا من مكتبة كبيرة ما لم نعرف كيف تنظم أو تصنف أو ترتب الكتب في هذه المكتبة ؟ فالتركيب إذن عامل أساسي في تحديد عملية الاسترجاع. ولحل هذه المشكلة إفترض الكثير من علماء النفس تركيبا معينا وميكاميزم معينا لتفسير عملية الاسترجاع. فإذا ما أيدت التجربة النظرية المقترحة فمعني ذلك أنها تؤيد وجود التركيب والميكانيزم المفترض وجودهما وراء عملية الإسترجاع. أما إذا لم تؤيد التجربة النظرية فلا سبيل أمامنا للحكم علي ما إذا كانت النظرية أو التركيب هو الذي إفترض خطأ .

      فما هو التركيب الذي إفترضه علماء النفس ؟ إفترض " فريدمان ولوفتاس " مكملين في ذلك العمل الذي بدأه " الأن كولنز " و " روس كويليان " Allan Collins and Ross Quillian إن التركيب في الذاكرة طويلة المدى هو تركيب ذو طبيعة هرمية ، أي أن المعلومات عن " الحيوان " تنقسم إلي معلومات عن الطيور ومعلومات عن السمك وأخري عن الطيور تنقسم بدورها إلي معلومات عن طيور بعينها " كالكنارى " .

" الطيور الزرقاء " . وهناك افتراض هام في هذا النسيج وهو أن الخاصية التي تميز نوعا بالذات من الأشياء تختزن فقط في المكان من ذلك التنظيم الهرمي الذي يوجد فية ذلك النوع . مثلا الخاصية التي تميز جميع الحيوانات ، مثل خاصية إنها تأكل أو تشرب ، تختزن فقط عند المكان الذي يقع فيه " حيوان " ومعني ذلك أن الخاصية لا تختزن مرة أخرى عند الأماكن التي تقع فيها الأنواع المختلفة من الحيوانات ، ولو إنها أيضا تأكل وتشرب. كذلك خاصية "الطيران" التي يتميز بها معظم الطيور تختزن عند " طيور " فقط وليس عند الكناري أو الطيور الزرقاء أو أي فئة خاصة من الطيور . أما عند الكناري أو الطيور فتختزن المعلومات التي تتعلق بجميع أنواع الكناري مثل كونها صفراء مثلا. هذا هو التركيب الذي أفترضة " كولنز وكويليان"  .

 

السابق

1-2

home